في هذه المقالة
ملاحظة تحريرية: مسودة أولية مبنية على أفكار الكاتب، وليست نصه النهائي. لا اقتباسات حرفية فيها؛ كل ما نُسب إلى فلاسفة معروض بالمعنى، وينبغي مراجعته على النصوص.
معظم ما نعتقده لم نختر أن نعتقده. وصلتنا اللغة والدين والعادات والأحكام الأولى عن الصواب والخطأ من الأسرة والمدرسة والبيئة، قبل أن نملك القدرة على فحصها. وهذا ليس عيبًا في ذاته، فلا أحد يبدأ من الصفر. لكن السؤال يبدأ حين نلاحظ ذلك: ما الذي يجعل اعتقادًا ما معرفة، لا مجرد عادة؟
الشك ليس رفضًا
أول ما ينبغي ضبطه أن «الشك» يُستعمل بمعنيين مختلفين:
- الرفض التلقائي: أن أعدّ كل ما تلقيته باطلًا لمجرد أنه موروث، أو كل ما يقوله الجمهور خطأ لأنه قاله. وهذا في الحقيقة تقليد معكوس، لأنه يحدد موقفي سلفًا بما يقوله الآخرون.
- الشك النقدي: أن أعلّق الحكم حتى أفحص الأسباب. وقد ينتهي الفحص إلى تأكيد الاعتقاد بدل نفيه.
الفرق بينهما أن الثاني يمكن أن يخسر: أي أنه مستعد لأن تؤدي نتيجته إلى ما لا يتوقعه صاحبه.
ديكارت: أن نبدأ بما لا يقبل الشك
عرض ديكارت منهجه في «مقالة عن المنهج» (1637) ثم في «التأملات» (1641). فكرته أن يضع كل ما يمكن الشك فيه جانبًا، ليرى هل يبقى شيء لا سبيل إلى الشك فيه. فالحواس تخدعنا أحيانًا، والأحلام قد تبدو واقعية، وربما كنا ضحية خداع جذري، وهو ما تصوره بفكرة «الشيطان الماكر».
وفي وسط هذا الشك يجد ديكارت نقطة صلبة: أنني أفكر، وأن شيئًا يفكر موجود. من هنا عبارته المعروفة التي تُلخَّص بـ«أنا أفكر، إذن أنا موجود».
وليس مقصودي هنا تبنّي فلسفة ديكارت كاملة، فقد اعترض عليها كثيرون، وبخاصة في خطوتها التالية التي يستدل فيها على وجود الله لضمان صدق المعارف الأخرى. المقصود هو المنهج: أن يكون الفحص جزءًا من طريقنا إلى المعرفة، لا تهديدًا لها.
الغزالي: شك قبل ديكارت؟
يعرض أبو حامد الغزالي في «المنقذ من الضلال» رحلة شك مرّ بها في العلم والاعتقاد، بدأها بالتساؤل عن موثوقية الحس والعقل، وانتهت عنده إلى ما عدّه يقينًا. وقد قارن بعض الدارسين بينه وبين ديكارت، بينما رأى آخرون أن الغرضين مختلفان: فالغزالي يبحث عن طمأنينة تتصل بالنفس، وديكارت يبحث عن أساس للعلم.
وسواء اتفقنا على المقارنة أو لا، فالمشترك أن كليهما رأى أن اليقين الذي لم يمرّ بالسؤال هشّ، وأن الشك قد يكون طريقًا لا غاية.
اعتراض: «الشك على الورق»
انتقد تشارلز ساندرز بيرس هذا النوع من الشك، فقال في مقالة «كيف نوضح أفكارنا» إن المرء لا يستطيع أن يشك فعلًا في كل شيء لمجرد أنه قرر ذلك في مكتبه؛ فالشك الحقيقي ينشأ من مشكلة تعترضنا وتهز اعتقادًا كنا نعتمد عليه. والفكرة وجيهة: الشك المصطنع قد يتحول إلى لعبة ذهنية، والشك المثمر يبدأ من سؤال حقيقي.
ومن هنا يمكن أن نعدّل المنهج: لا نشك في كل شيء دفعة واحدة، بل نفحص ما يطرأ علينا سؤاله، ونبقي على الباقي إلى أن يحين وقته.
كيف أفحص اعتقادًا موروثًا؟
أقترح تسلسلًا بسيطًا، لا يضمن الوصول إلى الحقيقة لكنه يمنع بعض الأخطاء:
- أحدد الاعتقاد بدقة. كثيرًا ما نرفض صياغة غامضة أو نقبلها دون أن نعرف ما تعنيه.
- أسأل عن مصدره. هل هو من تجربتي أم من خبرة غيري أم من سلطة؟ وهل هذا المصدر أهل للثقة في هذا الموضوع بالذات؟
- أبحث عن أقوى بديل. لا عن أضعف صور المخالف.
- أنظر في أسباب الاعتقاد وأسباب البديل. وأقارن بينها بإنصاف.
- أقرر درجة ثقتي. فالمعرفة درجات، ولا يلزم أن أختار بين اليقين التام والرفض.
- أترك الباب مفتوحًا. فقد تأتي أدلة جديدة.
ما معنى أن نعرف؟
يعرّف التقليد الفلسفي المعرفة، في صياغتها الشائعة، بأنها «اعتقاد صادق مبرَّر». وقد شكّك إدموند غيتييه سنة 1963 في كفاية هذا التعريف بأمثلة مضادة شهيرة. ولا أدخل في تفاصيل الجدل هنا، وإنما أكتفي بالإشارة إلى أن السؤال «ما الذي يجعل الاعتقاد معرفة؟» ما زال مفتوحًا، وأن هذا الانفتاح ليس عيبًا في الفلسفة بل علامة على صعوبة السؤال.
خاتمة مفتوحة
لست أقترح أن يتحول كل واحد منا إلى ديكارت، ولا أن نرفض ما ورثنا. اقتراحي أن نميّز بين أن نعتقد لأننا ورثنا، وأن نعتقد لأننا فحصنا. وقد ننتهي، بعد الفحص، إلى الاعتقاد نفسه، لكن بشكل مختلف: بشكل نملكه.
المراجع
- René Descartes، Discours de la méthode، 1637.
- René Descartes، Meditationes de prima philosophia، 1641.
- أبو حامد الغزالي، المنقذ من الضلال.تُراجع طبعة محققة قبل الاستشهاد، والمقارنة بينه وبين ديكارت محل خلاف بين الدارسين.
- Charles S. Peirce، How to Make Our Ideas Clear، 1878.ينتقد فيه الشك الديكارتي بوصفه «شكًا على الورق».