تخطَّ إلى المحتوى
آدم تميمي

مقالةالفلسفة

هل يسلب الموت الحياة معناها؟

إذا كان كل إنسان فانيًا، فهل يجعل هذا الفناء ما نصنعه من معنى بلا قيمة؟ محاولة لتفكيك الحجة واختبار مقدماتها الخفية دون الجزم بنتيجة.

الكاتب
آدم تميمي
تاريخ النشر
مدة القراءة
5 دقائق قراءة
في هذه المقالة

ملاحظة تحريرية: هذه صياغة أولية مبنية على أفكار الكاتب ونقاشاته، وليست نصه النهائي. المراجع المذكورة أعمال حقيقية، لكن يلزم التحقق من الطبعات والصفحات قبل الاستشهاد، ولم تُنسب إلى أحد عبارة حرفية. الخاتمة مفتوحة عمدًا.

نعرف جميعًا أننا سنموت، ومع ذلك نعيش في معظم أيامنا كأن هذه الحقيقة لا تخصّنا. نخطط ونؤجل ونبني ما نعلم أنه لن يبقى. ثم يعود السؤال بثقله: إذا كان كل شيء سينتهي، فلماذا نحب ونحلم ونسعى؟

هذا السؤال يستحق أكثر من الانفعال به. يستحق أن نكتبه في صورة حجة، ثم نفحص كل حلقة فيها.

الحجة في صورتها الأولى

يمكن صياغة الفكرة هكذا:

  1. كل إنسان فانٍ، وأنا إنسان، فأنا سأموت.
  2. حين أموت ينتهي كل ما أصنعه من معنى، أو يُنسى مع الزمن.
  3. ما ينتهي لا يكون ذا معنى حقيقي.
  4. إذن لا معنى حقيقيًا لما أفعله.

المقدمتان الأولى والثانية قويتان. أما الثالثة فهي التي تحمل العبء كله، وهي مقدمة مضمرة في الغالب: لا نقولها بصوت عالٍ، لكن الحجة تنهار من دونها. فلنسمّها باسمها: «الدوام شرط للمعنى».

هل الدوام شرط للمعنى؟

لو صحّت هذه المقدمة لوجب أن نطبّقها في كل مجال. فهل تفقد وجبة طعام جيدة قيمتها لأنها لا تبقى؟ وهل تكون مقطوعة موسيقية بلا معنى لأنها تنتهي؟ إننا في حياتنا اليومية لا نشترط الدوام للقيمة، بل كثيرًا ما نعدّ الزوال جزءًا من جمال الشيء.

ومع ذلك قد يردّ المتشائم بأن هذه أمثلة صغيرة، وأن السؤال عن الحياة كلها. فالمطلوب معنى يتجاوز اللحظات، لا معنى لحظة بعد أخرى. وهنا ينبغي أن نتوقف عند التفريق بين مستويين:

  • معنى بالنسبة إليّ: ما يجعل حياتي ذات قيمة من داخلها، كأن أحب وأتعلم وأصنع شيئًا.
  • معنى بالنسبة إلى الكون: هل لوجودنا غاية خارجة عن اهتماماتنا؟

والفناء يهدد الثاني أكثر مما يهدد الأول. فقد ينتهي كل شيء يومًا، ولا يمنع ذلك أن يكون لحظة حب أو لحظة فهم ذات قيمة في وقتها. وهذا ما ذهب إليه توماس ناغل في مقالته «العبث»: إن في الإنسان قدرة على أن ينظر إلى حياته من خارجها، فيرى أن اهتماماته كلها اعتباطية، وهذا ما يولّد الإحساس بالعبث، لا الموت وحده.

اعتراض: «المعنى يرحل معي»

قد يعترض صاحب الحجة الأولى: حين أموت فالمعنى الذي صنعته يموت معي، فلا يبقى لي منه شيء. وهذا اعتراض جاد، ومضمونه أن المعنى مرتبط بوعي صاحبه، وأن زوال الوعي زوال للمعنى.

لكن الاعتراض يخلط بين أمرين:

  • زوال المعنى بالنسبة إلى صاحبه: وهذا صحيح، فالميت لا يستمتع بشيء.
  • زوال قيمة الأفعال في نفسها: وهذا لا يتبع بالضرورة من الأول.

لنختبر الفكرة بمثال: شخص أنقذ حياة آخر ثم مات، ونُسي اسمه. هل يعني نسيانه أن الإنقاذ لم يكن ذا قيمة؟ أغلبنا يجيب بالنفي، لأن قيمة الفعل تتحقق في أثره على من أُنقذ وعلى من يحبونه، لا في بقاء ذكر الفاعل. فإن قبلنا هذا، فقد قبلنا أن القيمة قد تتحقق وتبقى حقيقية وإن لم يشهدها صاحبها بعد موته.

حجة الحرمان

يقدّم ناغل في مقالته «الموت» تفسيرًا لسبب شعورنا بأن الموت شر: ليس لأن الموت حالة مؤلمة، بل لأنه يحرمنا من خير الحياة المستمرة. وهذا يقابل ما ذهب إليه أبيقور من أن الموت لا يعنينا، لأننا حيث نكون لا يكون الموت، وحيث يكون لا نكون.

إذا أخذنا بحجة الحرمان فالسؤال يتغير: ليس «هل يسلب الموت المعنى؟» وإنما «هل يحرمنا من معانٍ كان يمكن أن نصنعها؟». والجواب هنا نعم في حالات كثيرة، وبخاصة حين يأتي الموت مبكرًا. أي أن مشكلة الموت قد تكون في توقيته أكثر مما هي في وجوده.

وماذا لو لم نمت؟

يذهب برنارد ويليامز في مقالته عن «قضية ماكروبولوس» إلى أن الحياة الأبدية لشخص يحتفظ بشخصيته ستصير في النهاية مملة إلى حد لا يُحتمل، لأن رغباتنا ومشاريعنا محدودة بما نحن عليه. وإن صحّ ذلك، فالخلود ليس ما يضمن المعنى، بل قد يكون عكسه.

ولا يعني هذا أن حجة ويليامز محسومة، فقد اعترض عليها كثيرون. لكنها تكفي لإظهار أن الافتراض الضمني، أي أن الدوام هو ما ينقص حياتنا لتكون ذات معنى، يحتاج إلى برهان لا إلى تسليم.

بين العبث والأصالة

تفرّع الفلاسفة في الجواب. كامو في «أسطورة سيزيف» يبدأ من الشعور بالعبث، أي التوتر بين حاجتنا إلى المعنى وصمت العالم، ثم يرفض الهروب إلى أمل مطلق ويقترح أن نعيش في وعي كامل بهذا التوتر، وأن نعدّ المحاولة نفسها كافية. أما هايدغر في «الوجود والزمان» فيجعل الوعي بالتناهي شرطًا لحياة أصيلة، يختار فيها المرء إمكاناته بدل أن يذوب في ما يفعله «الناس».

والموقفان يقفان في وجه الحجة الأولى من جهتين مختلفتين: الأول يقبل غياب المعنى الكوني ويعيش رغمه، والثاني يرى في الفناء ما يمنح الاختيار وزنه. ولا يلزم أن يقتنع القارئ بأحدهما.

ما الذي بقي من الحجة؟

بعد الفحص يظهر أن الحجة الأولى لا تثبت ما أرادته. فمقدمتها الثالثة، أي أن ما ينتهي لا معنى له، ليست بديهية، وتصطدم بتجارب كثيرة نعدّ فيها الزائل ذا قيمة. لكن ذلك لا يعني أن الجواب المضاد منتصر. ما زال أمامنا:

  1. هل المعنى الذاتي كافٍ، أم نحتاج إلى غاية تتجاوزنا؟
  2. هل الأسى على الفناء إحساس مشروع أم عاطفة لا تقابلها حقيقة؟
  3. هل يختلف تفكيرنا في موتنا عن تفكيرنا في موت من نحب؟
  4. وهل نحن، حين نبحث عن «المعنى»، نبحث عن شيء واحد أصلًا؟

أترك هذه الأسئلة مفتوحة لأن الاستعجال في إغلاقها أخطر من تركها معلّقة.

المراجع

  1. أبيقور، رسالة إلى مينيكيوس.تُرجع عادة إلى كتاب ديوجين اللايرتي «حياة مشاهير الفلاسفة»، الكتاب العاشر. تحقق من الترجمة العربية المعتمدة.
  2. Thomas Nagel، Death، مجلة Noûs، 1970.
  3. Thomas Nagel، The Absurd، The Journal of Philosophy، 1971.
  4. Bernard Williams، The Makropulos Case, Reflections on the Tedium of Immortality، ضمن كتاب Problems of the Self، 1973.
  5. Albert Camus، Le Mythe de Sisyphe، 1942.
  6. Martin Heidegger، Sein und Zeit، 1927.

شارك المقالة

العودة إلى المقالات

اقرأ أيضًا

دفتر المعرفة

مفهوم ·الأخلاق

العبث عند كامو

L’absurde

التوتر بين حاجة الإنسان إلى المعنى وصمت العالم، وكيف يرفض كامو الهروب منه ويقترح التمرد.

دقيقة واحدة قراءة

مفهوم ·الأخلاق

العدمية

Nihilism

موقف ينفي وجود معنى أو قيمة موضوعية، ويظهر في صور وجودية وأخلاقية ومعرفية، ويختلف عن العبث.

دقيقة واحدة قراءة