هل يصبح المختلف غريبًا في مجتمعه؟
تأمل نقدي في الاغتراب الفكري: متى يصير اختلاف الاهتمامات غربة، وكيف نتجنب أن نحوّله إلى تعالٍ أو عزلة؟
- الكاتب
- آدم تميمي
- تاريخ النشر
- مدة القراءة
- 3 دقائق قراءة
في هذه المقالة
ملاحظة تحريرية: مسودة أولية مبنية على أفكار الكاتب، وليست نصه النهائي. لا تتضمن وقائع شخصية ولا أحاديث مع أشخاص، وأي مثال شخصي يُضاف بقلم الكاتب نفسه إن أراد.
يحدث أن يجد المرء نفسه مهتمًّا بأسئلة لا تشغل من حوله: الموت والمعنى، حدود المعرفة، تاريخ الأفكار. وليس في ذلك ما يعيب أحدًا، فالناس يختلفون في اهتماماتهم كما يختلفون في أذواقهم. لكن قد يتحول الاختلاف إلى إحساس بالغربة: أنني أتحدث بلغة لا يتحدثها من حولي. فهل يصبح المختلف بالضرورة غريبًا؟
أنواع الاختلاف
أول ما أفرّق به هنا بين مستويين لا يستويان:
- اختلاف الاهتمام: أن أحب موضوعات لا يحبها غيري. وهذا شائع جدًا، ولا يقتضي بالضرورة عزلة.
- اختلاف الموقف: أن أحمل رأيًا يخالف رأي الجماعة في مسألة تعدّها أساسية. وهذا هو الذي يثير الحرج الاجتماعي حقًا.
وفي الأول قد تكون المشكلة في غياب المحاور أكثر من وجود الخلاف. أما في الثاني فالمشكلة في كلفة الجهر بالرأي.
الغريب في علم الاجتماع
كتب جورج زيمل مطلع القرن العشرين مقالة عن «الغريب»، يعني به لا من يمر مارًّا، بل من يأتي اليوم ويبقى غدًا: شخص قريب جسديًا وبعيد في الانتماء. ورأى أن هذه الوضعية تمنحه نوعًا من الموضوعية، لأنه لا يشارك الجماعة تحيزاتها، وتعرّضه للشك في آن واحد. ثم بنى ألفرد شوتس على الفكرة فحلل كيف يتعلم الغريب قواعد جماعة جديدة ويكتشف أن ما تعدّه «بديهيًا» غير بديهي.
وهذه الأطروحات تتناول غالبًا الغريب بمعنى المهاجر أو الوافد، لكنها تنفع بالقياس: فمن يتعلم أن يسأل عن البديهيات يشبه الغريب في بعض وضعه، يرى ما لا يراه أهل البيت، ويدفع أحيانًا ثمن ذلك.
ضغط الجماعة حقيقي
أظهرت تجارب سولومون آش في خمسينيات القرن الماضي أن نسبة معتبرة من المشاركين يغيّرون جوابهم الصحيح الواضح، حين يجمع من حولهم على جواب خاطئ. ولا يعني ذلك أن الناس ضعفاء، بل أن الضغط الاجتماعي أقوى مما نظن، وأن الاختلاف يحتاج جهدًا نفسيًا.
وهذا يعيدنا إلى سؤال المقالة: الغربة الفكرية قد لا تكون عيبًا في المختلف ولا في المجتمع، بل أثرًا طبيعيًا لكلفة الاختلاف.
ثلاثة أخطار
عندما يشعر المرء بأنه مختلف، تتربص به مزالق أشير إليها لأنفسنا قبل غيرنا:
- التعالي: أن أستنتج من اختلافي أنني أفهم وغيري لا يفهم. وهذا استنتاج لا يتبع من الاختلاف، فقد يكون المختلف مخطئًا وقد يكون محقًّا، والاختلاف وحده لا يبرهن على شيء.
- العزلة المريحة: أن أكتفي بمن يشبهني، فأحرم نفسي ممن يعترض عليّ، وهم الذين أحتاج إليهم أكثر.
- تحويل الغربة إلى هوية: أن أجعل كوني «غريبًا» دليلًا على عمق، وهذا مزلق مغرٍ.
ما الذي ينفع؟
لا أقدّم وصفة، لكن بعض الأفكار تستحق التجربة:
- البحث عن محاورين لا عن أتباع. والمحاور الجيد قد يخالفك لكنه يأخذك بجد.
- التفريق بين المجتمع ومن حولي. فالمجتمع أوسع بكثير من محيطي المباشر، وقد أجد المحاور خارج الدائرة القريبة، في كتاب أو منتدى أو فضاء قراءة.
- الاستماع لاهتمامات الآخرين. فلكل واحد أسئلته، وقد لا تكون بلغتي لكنها ليست أقل جدية.
- قبول الاختلاف المتبادل. فكما أنني مختلف عنهم هم مختلفون عني، وهذا لا يحتاج إلى حكم قيمي.
وقد عالج ابن باجة في «تدبير المتوحد» سؤالًا قريبًا: كيف يعيش الإنسان صاحب النظر في مدينة لا تقدّر النظر؟ وانتهى، حسب قراءات شائعة لكتابه، إلى أن يعتزل الفيلسوف ما يضر به لا الناس، وأن يسعى إلى اجتماع يناسبه. ولا يلزمنا اتباعه، لكن السؤال قديم، وهذا مصدر طمأنينة بحد ذاته.
هل نبقى غرباء؟
جوابي المؤقت: ليس بالضرورة. قد يكون الغريب اليوم أقرب الناس غدًا إذا وجد لغة يتقاسمها مع غيره. لكن ذلك يحتاج إلى أن يخرج هو أيضًا من الصورة التي كوّنها عن نفسه، وأن يعدّ الآخرين أهلًا للحوار قبل أن تثبت لهم الصفة.
وأترك المسألة مفتوحة: هل الغربة الفكرية ثمن لا مفر منه لمن يسأل؟ أم أنها حالة مؤقتة نبالغ في تثبيتها؟
المراجع
- Georg Simmel، The Stranger (Der Fremde)، 1908.ضمن مقالات في علم الاجتماع، وتُراجع الطبعة المترجمة قبل الاستشهاد.
- Alfred Schütz، The Stranger, An Essay in Social Psychology، 1944.
- Solomon E. Asch، Opinions and Social Pressure، 1955.مقالة في Scientific American عن تجارب المطابقة.
- ابن باجة، تدبير المتوحد.تُراجع طبعة محققة قبل الاستشهاد.