سهولة التكفير وصعوبة التفكير
لماذا يسهل أن نصف من يخالفنا بوصمة تُنهي النقاش، ويصعب أن نفحص فكرته؟ قراءة في كلفة الإقصاء وكلفة التفكير.
- الكاتب
- آدم تميمي
- تاريخ النشر
- مدة القراءة
- 4 دقائق قراءة
في هذه المقالة
ملاحظة تحريرية: هذه صياغة أولية مبنية على أفكار الكاتب، وليست نصه النهائي. المقالة تنتقد الوصم بوصفه سلوكًا في النقاش، ولا تصدر حكمًا على مجتمع بأكمله ولا على جماعة بعينها. راجع الأمثلة والمراجع قبل النشر.
كلمة «التكفير» في أصلها مصطلح في علم الكلام والفقه، يتصل بحدود الإيمان والكفر عند من يرونها. غير أنني لا أتناول هنا المسألة الكلامية، فهذا شأن أهله. ما يعنيني هو الاستعمال الاجتماعي الأعم لهذا النمط من الأحكام: أن يُوصَم إنسان بصفة قاطعة، دينية أو وطنية أو أخلاقية، لمجرد أن سؤاله خرج عن المألوف، فيُغلق النقاش قبل أن يبدأ.
لماذا الوصم سهل؟
للوصم ميزة عملية لا تتوفر للنقد: كلفته منخفضة. تكفي كلمة واحدة لتصنيف إنسان في خانة، وبعد التصنيف لا حاجة إلى فهم ما قال. أما التفكير فيقتضي أن:
- نفهم الفكرة بصيغتها الأقوى لا بصيغتها الأضعف.
- نفرّق بين ما قيل وما نخشى أن يؤدي إليه.
- نقبل احتمال أن نكون مخطئين.
- نحتمل شعور عدم اليقين زمنًا.
والمقارنة بين الكلفتين تفسّر جانبًا من الظاهرة: حين يضيق الوقت أو يشتد الانفعال، تميل الجماعات إلى أقل الطرق كلفة. وهذا لا يخص مجتمعًا دون آخر ولا زمانًا دون آخر، فقد عرفت كل ثقافة صيغتها الخاصة من «الإقصاء بالتسمية».
ما الذي يضيع حين نغلق السؤال؟
يرى جون ستيوارت ميل في كتابه «عن الحرية» أن إسكات رأي ما يضر في كل الحالات: فإن كان صحيحًا حُرمنا من الحقيقة، وإن كان خاطئًا حُرمنا من فهم أعمق للصواب حين يُصطدم بالخطأ. ومعنى ذلك أن الرأي الذي نملكه من دون أن نختبره يتحول إلى تقليد جامد لا يعرف صاحبه أسبابه.
وهنا الفرق بين أمرين يختلطان كثيرًا:
- أن أرفض رأيًا بعد فحصه: وهذا حق وواجب أحيانًا، فليست كل الآراء متساوية.
- أن أرفض صاحب الرأي قبل فحصه: وهذا ما أسميه الوصم، لأنه ينتقل من الفكرة إلى الشخص.
والتفكير الحقيقي لا يقتضي قبول كل فكرة، بل يقتضي أن يكون الرفض معللًا.
الاحتكام إلى المألوف
كثيرًا ما يُستند في الدفاع عن المألوف إلى أنه ما ورثناه. وقد عرض القرآن هذه الحجة على لسان قوم قالوا «حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا»، ونقدها في سياقها بوصفها تقليدًا بلا نظر. وأنبّه هنا إلى أن الآية لا تُستعمل لخصم واحد: فكل جماعة قد تحتكم إلى «ما وجدنا عليه آباءنا» في وجه من يسألها، وقد يكون المنتقد نفسه واقعًا في تقليد آخر. ولهذا فالقاعدة التي تنفع هي أن نسأل عن أي تقليد، بما في ذلك تقليدنا، سؤالًا واحدًا: ما سبب اعتقادنا به غير أنه مألوف؟
وقد جعل كانط في مقالته الشهيرة عن التنوير شعاره «تجرأ على استخدام عقلك»، وعدّ القصور الذي يعاني منه الإنسان مسؤولية صاحبه حين يكون سببه الكسل أو الخوف لا غياب القدرة. وإن بدت هذه الفكرة قاسية فهي تذكّرنا بأن الاستسهال لا يقع على الآخرين وحدهم.
اعتراضات
الاعتراض الأول: «بعض الأفكار تهدم القيم التي تقوم عليها الجماعة، فلا يجوز التسامح معها.»
الجواب: صحيح أن للجماعات حق الدفاع عن قيمها، لكن الدفاع شيء والوصم شيء آخر. يمكن أن أعترض على فكرة اعتراضًا شديدًا وأبيّن أضرارها بالحجة، دون أن أنزع عن صاحبها صفة الانتماء أو الإنسانية. والوصم، حين يصبح عادة، يعمل على الصالح والطالح معًا، ويصيب في النهاية من لم نقصد.
الاعتراض الثاني: «الأسئلة الحادة أحيانًا استفزاز لا بحث.»
الجواب: قد يكون ذلك صحيحًا في بعض الحالات، ومعرفة النية عسيرة. وتبقى القاعدة العملية: أرد على السؤال بما يستحق، فإن كان استفزازًا فحجتي أقوى من استفزازه، وإن كان جادًا فقد كسبت حوارًا.
الاعتراض الثالث: «التفكير ترف لمن يملك الوقت.»
الجواب: هذا اعتراض يستحق أخذه بجد، لأن شروط التفكير النقدي ليست موزعة بالتساوي: من الوقت والتعليم والأمان. وهذا بالضبط ما يجعل حماية حرية السؤال مسؤولية عامة، لا امتيازًا لقلة.
بعض القواعد العملية
لا أدعي أنها تحل المشكلة، لكنها تصلح لاختبار ذاتي:
- هل أستطيع أن أعرض رأي مخالفي بصيغة يقبلها هو؟
- هل أرد على الحجة أم على قائلها؟
- هل سأعامل بالطريقة نفسها من يوافقني إذا قال الكلام ذاته؟
- ما الذي سأخسره إن كنت مخطئًا؟ وما الذي سأكسبه إن راجعت؟
بلا خاتمة حاسمة
لا أظن أن للمسألة حلًا نهائيًا. فالجماعات تحتاج إلى مسلّمات تتماسك بها، والأفراد يحتاجون إلى أن يسألوا. والتوتر بين الحاجتين دائم. أقصى ما أطلبه هو ألا يكون الوصم أول رد على السؤال.
المراجع
- إيمانويل كانط، ما هو التنوير؟ (Beantwortung der Frage: Was ist Aufklärung?)، 1784.
- John Stuart Mill، On Liberty، 1859.الفصل الثاني عن حرية الفكر والنقاش.
- سورة المائدة، الآية 104.مرجع العبارة «حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا»، وسياقها نقد التقليد دون نظر. تُراجع مع التفاسير.